السيد الطباطبائي
311
الإنسان والعقيدة
وإذا كان الإله سبحانه - على كلّ تقدير - غير محدود بحدّ موجود ، وهو حقّ على الإطلاق ، فإنّ المفاهيم الذهنيّة التي يصف العقل بها كلّما أراد أن يعرفه ، أو يعرّفه لا تستطيع أن تتناوله فتحيط به ، وتنطبق عليه . وهكذا نرى أنّ التعمّق في معنى الإخلاص قد أدّى إلى نفي الصفات عنه تعالى ، فيصحّ إذن أن يقال : إنّ نفي الصفات عنه تعالى هو كمال الإخلاص له . . وهي المرتبة الخامسة - كما قلنا - من معرفة اللّه تعالى ، وقد عناها عليه السّلام بقوله : « وكمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصّفة » « 1 » . فهو تعالى - كما ورد - له الأسماء الحسنى ، والأمثال العليا ، ولو لم يكن تعالى ، يملكها ، لم يمكن أن يجود بها على من سواه ، ولم يملكها غيره ، لكنّه أجلّ من أن يناله إدراك غيره بوصف أو أن يحيط به نعت ، فكلّ من وصفه بوصف فقد جهله . . فعند هذا الإخلاص يدرك العقل النظري قصوره وعجزه عن إدراكه تعالى والإحاطة به ، فإنّ وسيلة العقل الوحيدة إلى توصيف الأشياء هي المفاهيم والمعاني الذهنيّة ، وقد قدّمنا أنّها - أي المفاهيم - متمايزة بحسب ذواتها ، منفصل بعضها عن البعض الآخر ، ومن لوازمها المحدوديّة . فالعقل عندما يسبغ عليه تعالى وصفا ما ، فإنّه بنفس حكمه بالاتّحاد بينهما يحكم - من جهة التوصيف والإثبات - بنحو من المغايرة بينهما ، فإذا وصفه فقد قرنه بالوصف ، ولا يتمّ قرنه به إلّا بالتثنية ، ولا تتمّ التثنية إلّا بالتجزئة ، ولا تتمّ التجزئة إلّا بإشارة عقليّة إلى هذا وذاك ، ولا تتمّ الإشارة إلّا بضرب حدّ فاصل بينهما ، يمتاز به أحدهما من الآخر ، ولا يتمّ التحديد إلّا بعروض الوحدة العددية ، وانتفاء التوحيد الحقّ .
--> ( 1 ) فمراده عليه السّلام بيان أنّ مفاهيم الصفات لا تنطبق عليه تعالى على نحو الحقيقة ، وأمّا مصاديق المفاهيم ، فهي تشهد أنّها هي الموصوفات وبالعكس .